الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

143

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

وقد أخبر - صلى اللّه عليه وسلم - أصحابه بأشياء بين موته وبين الساعة وحذر من مفاجأتها ، كما يحذر من حاد عن الطاعة ، وأن الساعة لا تقوم حتى تظهر جملة الأمارات في العالم ، فإذا جاءت الطامة الكبرى ، يطيش منها الجاهل والعالم . كما روى من رفع الأمانة والقرآن ، واشتهار الخيانة وحسد الأقران وقلة الرجال ، وكثرة النسوان ، إلى غير ذلك مما شهدت بصحته الأخبار ، وقضى بحقيقة وقوعه الاعتبار . وقد تعين أن نلمّ بذكر طرف من الآثار الصحاح والحسان : فروى البخاري من حديث أبي هريرة : أن رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - قال : « لا تقوم الساعة حتى تقتتل فئتان عظيمتان تكون بينهما مقتلة عظيمة ، دعواهما واحدة ، وحتى يبعث دجالون كذابون قريب من ثلاثين كلهم يزعم أنه رسول اللّه ، وحتى يقبض العلم ، وتكثر الزلازل ، ويتقارب الزمان ، وتظهر الفتن ، ويكثر الهرج - وهو القتل - وحتى يكثر فيكم المال فيفيض حتى يهم الرجل من يقبل صدقته ، وحتى يعرضه فيقول الذي يعرضه عليه : لا أرب لي فيه ، وحتى يتطاول الناس في البنيان ، وحتى يمر الرجل بقبر الرجل فيقول : يا ليتني مكانه ، وحتى تطلع الشمس من مغربها ، فإذا طلعت ورآها الناس أجمعون ، فذلك حين لا ينفع نفسا إيمانهم لم تكون آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا ، ولتقومن الساعة وقد نشر الرجلان ثوبهما فلا يتبايعانه ولا يطويانه ، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته ولا يطعمه ، ولتقومن الساعة وهو يليط حوضه فلا يسقى فيه ، ولتقومن الساعة وقد رفع أكلته إلى فيه فلا يطعمها » « 1 » . فهذه ثلاث عشرة علامة جمعها أبو هريرة في حديث واحد ، ولم يبق بعد هذا ما ينظر من صحيح العلامات والأشراط . وقد ظهر أكثر هذه العلامات : فأما قوله : « حتى تقتتل فئتان عظيمتان دعواهما واحدة » يريد فتنة معاوية وعلى بصفين . قال القاضي أبو بكر بن العربي : وهذا أول خطب طرق الإسلام .

--> ( 1 ) صحيح : أخرجه البخاري ( 7121 ) في الفتن ، باب : خروج النار .